منتديات حركة مجتمع السلم لرجام - تيسمسيلت

بسم الله الرحمان الرحيم (( وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُون )) التوبة / 105  
اليوميةالرئيسيةس .و .جبحـثالتسجيلدخول

شاطر | 
 

 الهجرية النبوية الشريفة .

اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
حمس لرجام
عاملي
عاملي
avatar

ذكر
عدد الرسائل : 1902
العمر : 55
العمل/الترفيه : الأنترنت
تاريخ التسجيل : 04/09/2008

مُساهمةموضوع: الهجرية النبوية الشريفة .   السبت ديسمبر 19, 2009 11:53 am

الهجرة النبوية الشريفة




إنَّ الحمدَ للهِ نحمَدُهُ ونستغفِرُهُ ونستعينُهُ ونستهديهِ، من يَهْدِ اللهُ فلا مُضِلَّ له ومن يُضْلِلْ فلا هاديَ لهُ والصلاة والسلام على سيدنا محمد وعلى كلّ رسولٍ أرسلَه.


أما بعدُ عبادَ اللهِ أوصيكم ونفسيَ بتقوى اللهِ العليِّ العظيمِ. يقولُ اللهُ تعالى في كتابهِ العزيز {إلاّ تنصرُوه فقد نصرَهُ اللهُ إذْ أخرجَه الذين كفروا ثانِيَ اثنينِ إذْ هُما في الغارِ إذْ يقولُ لصاحِبِهِ لا تحْزَنْ إنَّ اللهَ معنَا}.


عبادَ اللهِ، لما بُعِثَ رسولُ اللهِ صلى اللهُ عليه وسلم أُمِرَ بالتبليغِ والإنذارِ بلا قتالٍ فظَلَّ أربعةَ عشرَ عاماً يدعو الناسَ إلى الإسلامِ من غيرِ قتالٍ فآمنَ بهِ بعضُ الناسِ كأبي بكرٍ وعمرَ وعثمانَ وعليٍ وبلالٍ وغيرِهم، وبقِيَ على الكُفرِ أكثرُ الناسِ وصاروا يؤذونَهُ وأصحابَهُ، فلمّا اشتَدَّ عليهِمُ الأذى هاجرَ بعضُ أصحابِ النَّبِيّ إلى الحبشةِ وكانوا نحوَ ثمانينَ منهم عثمانُ بنُ عفان وجعفرُ بنُ أبي طالب.


ولما كثُرَ أنصارُ رسولِ اللهِ صلى اللهُ عليه وسلمَ بيثربَ أمرَ اللهُ المسلمينَ بالهجرةِ إليها فخرجوا أرسالاً، ثم هاجَرَ النَّبِيُّ صلى اللهُ عليهِ وسلَّمَ من مكةَ محلّ ولادَتِه مع أبي بكرٍ الصدّيقِ بعد أن أقامَ في مكّةَ منذُ البِعثةِ ثلاثَ عشرةَ سنةً يدعو إلى التوحيدِ ونبذِ الشّرْكِ. ولم تكنْ هجرةُ النبيّ صلى اللهُ عليهِ وسلَّمَ حُبّاً في الشُهرةِ والجاهِ والسلطانِ فقد ذهبَ إليهِ أشرافُ مكّةَ وقالوا له: إن كنتُ تريدُ بما جئتَ بهِ مالاً جمَعْنا لكَ من أموالِنا حتى تكونَ أكثرَنا مالاً، وإن كنتَ تريدُ مُلْكاً ملَّكناكَ إيّاه ولكنَّ النبيَّ العظيمَ أسمى وأشرفُ من أنْ يكونَ مقصودُه الدنيا. ولهذا كان يقولُ النبيُّ صلى اللهُ عليهِ وسلم لعمّهِ أبي طالب حين أتاهُ يطلبُ منه الكفَّ عن التعرُّضِ لِقَوْمِهِ وما يعبُدُون: "واللهِ يا عمّ لو وضَعُوا الشمسَ في يميني والقمرَ في يَساري على أن أَتْرُكَ هذا الأمرَ ما تركتُهُ حتى يُظهِرَه اللهُ سبحانه وتعالى أو أهْلِكَ دونه".


وبالنبيّ صلى الله عليه وسلم اقتدى الصحابةُ الأجلاّءُ فقد خرَجَ عمرُ بنُ الخطابِ رضي الله عنه من مكةَ مع أربعينَ من المستضعَفينَ في وضَحِ النَّهارِ ممتشِقاً سيفَهُ قائِلاً لصنادِيدِ قريشٍ بصوتٍ جهيرٍ: "يا معشرَ قريش من أرادَ منكم أن تُفصَل رأسُه أو تَثْكُلَهُ أمُّهُ أو تترمَّلَ امرأَتُهُ أو يُيَتَّمَ ولدُه أو تذهبَ نفسُهُ فَلْيَتْبَعْنِي وراءَ هذا الوادي فإِني مهاجِرٌ إلى يثرب".


فما تجرأَ أحدٌ منهم أن يحولَ دونَهُ ودونَ الهِجرةِ. ثم إنَّ المشركينَ كانوا قد أجمعوا أمرَهم على قتلِ رسولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم فجَمَعوا من كلّ قبيلةٍ رجلاً جلداً نسيباً وسيطاً ليضرِبوهُ ضربةَ رجلٍ واحدٍ حتى يتفرَّقَ دمُهُ في القبائِلِ، فأتى جبريلُ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم فأمرَه أن لا يبيتَ في مضجَعِهِ الذي كانَ يبيتُ فيه وأخبَرَهُ بمَكْرِ القومِ وأنزل اللهُ تعالى {وإذْ يمكرُ بكَ الذين كفروا ليُثْبِتُوكَ أو يَقتلُوكَ أو يُخرجُوكَ ويمكرونَ ويمكرُ اللهُ واللهُ خيرُ الماكرين}.


فدعا رسولُ الله صلى الله عليه وسلم عليَّ بنَ أبي طالب فأمرَهُ أن يبيتَ على فِراشِه ويتسَجّى ببُرْدٍ له أخضرَ ففعل، ثمّ خرجَ رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم على القومِ وهم على بابِه ومعه حُفنةُ ترابٍ فجعل يذرُّها على رُؤوسِهم، وأخذَ اللهُ عز وجلّ بأبصارِهم عنْ نَبِيّه، وهو يقرأُ {يس والقرءانِ الحكيم} إلى قولِه {فأغشيناهم فهم لا يُبصرون} فلمّا أصبَحوا فإذا هم بعليّ بنِ أبي طالبٍ فسألوهُ عن النبيّ فأخبرَهُم أنّهُ خرجَ فركِبوا في كلّ وجهٍ يطلُبونَهُ وكانَ رسولُ اللهِ صلى اللهُ عليهِ وسلَّمَ قد سارَ مع أبي بكرٍ رضيَ اللهُ عنه حتى وصلا إلى غارِ ثورٍ فدخلاهُ، وجاءتِ العنكبوتُ فنَسَجَتْ على بابِه، وجاءَتْ حَمامةٌ فباضَتْ ورَقَدَتْ، فلما وصلَ رجالُ قريشٍ إلى الغارِ قال أبو بكر: يا رسولَ اللهِ لو أن أحدَهم ينظُرُ إلى قدميهِ لأبصرَنا تحتَ قدميه. فقال النبيُّ صلى الله عليه وسلم: "يا أبا بكر ما ظنُّكَ باثنينِ اللهُ ثالثُهما".


عبادَ اللهِ، لقد سلَّمَ اللهُ نبيَّهُ الكريمَ من شرّ المشركينَ فوصلَ إلى المدينةِ المُنَورةِ ومعه صاحبُه فاستقبَلَهُ المؤمنونَ بالفرحِ واستبشروا بقدومِه، وسمَّى الرسولُ يثربَ بالمدينَةِ المنورةِ وءاخى بينَ أهلِها والمهاجِرين، وسمّاهم الأنصارَ، وبنى مسجِدَه ومساكِنَه. وقد استقبلَ الأنصارُ إخوانَهُمُ المهاجرينَ ومدُّوا لهم يدَ المساعَدةِ والعونِ حتى كان الأنصاريُّ يقسِمُ مالَهُ ومتاعَهُ بينه وبين أخيهِ المهاجِر. فحَرِيٌّ بنا أن نقتديَ بهؤلاءِ الأفذاذِ من الناسِ الذين عرفوا معنى الأخوَّةِ الحقيقيَّ فأيَّدهم اللهُ بنصرِه.

أقول قولي هذا وأستغفرُ الله العظيمَ لي ولكم.

------------------------------------
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
حمس لرجام
عاملي
عاملي
avatar

ذكر
عدد الرسائل : 1902
العمر : 55
العمل/الترفيه : الأنترنت
تاريخ التسجيل : 04/09/2008

مُساهمةموضوع: رد: الهجرية النبوية الشريفة .   السبت ديسمبر 19, 2009 11:58 am

الهجرة المباركة
إنَّ في حياةِ رسول الله أحداثاً حوّلت مجرَى التاريخ وأحدَثت أعظمَ نقلة وأعقبت أقوَى الآثار، تبوَّأت منها الهجرة النبوية المبارَكَة مكاناً عليًّا ومقاماً كريماً، حيث كانت بحقٍّ فتحاً مبيناً ونصراً عزيزاً ورِفعة وتمكيناً وظهوراً لهذَا الدّين، وهزيمةً وصَغاراً للكافرين.



وفي وقائِع هذه الهجرة مِن الدّروس والعبَر وفي أحداثِها من الفوائد والمعاني ما لا يكاد يحِيط به الحصر ولا يستوعِبه البيان، فنها أنَّ العقيدةَ أغلى من الأرض، وأنَّ التوحيدَ أسمى من الديار، وأنَّ الإيمان أثمنُ من الأوطان، وأنَّ الإسلامَ خير من القناطير المقنطَرة من الذّهب والفضّة والخيلِ المسوّمة والأنعام والحرث ومن كلِّ متاعِ الحياة الدنيا، يتجلّى هذا المعنَى بيّنًا في خروجِ هذا النبيّ الكريم صلوات الله وسلامه عليه مع صاحبِه الصدّيق رضي الله عنه مهاجرَيْن من هذا الحِمى المبارَك والحرمِ الآمِن والأرضِ الطيّبة التي صوّر واقعَها الحديثُ الذي أخرجَه أحمد في مسندِه والترمذيّ وابن ماجه في سننهما بإسناد صحيح عن عبد الله بن عديّ بن حمراء الزّهريّ أنّه قال: رأيتُ رسول الله واقفًا على الحَزْوَرَة[1]قال: ((والله، إنَّك لخيرُ أرضِ الله وأحبُّ أرضِ الله إلى الله، ولولا أنِّي أُخرجتُ منكِ ما خرجت))



وفي الهجرة كمَال اليقينِ بمعيّة الله تعالى لعبادِه المؤمنين الصَّادقين، ذلك اليقين الرَّاسخ الذي لا تزعزِعُه عواصِف الباطل، يستبينُ ذلك جليًّا في حالِ هذَين المهاجرَين الكريمَين حين عظُم الخَطب وأحدَق الخطرُ ببلوغ المشركين بابَ الغارِ الذِي كانَا فيه، وحينَ قال أبو بكر رضي الله عنه: والله يا رسول الله، لو أنَّ أحدَهم نظر إلى موضعِ قدمَيه لرآنا، فقال رسول الله قولتَه التي أخذَت بمجامعِ القلوبِ. ((يَا أبَا بَكر، مَا ظنُّكَ باثنَين اللهُ ثالثُهما)) ، وأنزَلَ سبحانه مصداقَ ذلك في كتابه، أنزل قولَه : إِلاَّ تَنصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ ٱللَّهُ إِذْ أَخْرَجَهُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ ثَانِيَ ٱثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِى ٱلْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لاَ تَحْزَنْ إِنَّ ٱللَّهَ مَعَنَا فَأَنزَلَ ٱللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَّمْ تَرَوْهَا وَجَعَلَ كَلِمَةَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ ٱلسُّفْلَىٰ وَكَلِمَةُ ٱللَّهِ هِىَ ٱلْعُلْيَا وَٱللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ [التوبة:40].



وأيُّ معيّةٍ هذه المعيةَ؟ إنّها المعيّةَ الخاصّة التي تكون بالتّأييد والتّوفيق والحِفظ والمعونةِ والنّصر إنّما جعلها الله تعالى لأوليائِه المتّقين المحسِنين الذين بذلوا حقَّ الله عليهم في توحِيده وإفرادِه بالعبادةِ وتركِ الإشراكِ به، ثمَّ بامتثال أوامرِه والانتهاء عمَّا نهاهم عنه.والمعية تاءتى بمعنى العلم كقوله تعالى(( وهو معكم أينما كنتم)) أي عالم بكم حيث كتتم الله تعالى لا يخفى عليه شيء عالم بالأماكن كلها وهو موجود بلا مكان , حتى إذا سكن الطلب عنهما قليلا خرجا من الغار بعد ثلاث ليال متجهين إلى المدينة على طريق الساحل فلحقهما سراقة بن مالك المدلجي على فرس له فالتفت أبو بكر فقال: يا رسول الله هذا الطلب قد لحقنا فقال النبي : ((لا تحزن إن الله معنا)) فدنا سراقة منهما حتى إذا سمع قراءة رسول الله غاصت يدا فرسه في الأرض حتى مس بطنها الأرض وكانت أرضا صلبة فنزل سراقة وزجرها فنهضت فلما أخرجت يديها صار لأثرهما عثان ساطع في السماء مثل الدخان قال سراقة: فوقع في نفسي أن سيظهر أمر رسول الله فناديتهم بالأمان فوقف رسول الله ومن معه فركبت فرسي حتى جئتهم وأخبرتهم بما يريد الناس بهم وعرضت عليهم الزاد والمتاع وقال للنبي : إنك تمر على إبلي وغنمي بمكان كذا فخذ منها حاجتك. فقال: ((لا حاجة لي في ذلك)) وقال: ((أخف عنا)). فرجع سراقة وجعل لا يلقى أحدا من الطلب إلا رده وقال: كفيتم هذه الجهة فسبحان الله رجل ينطلق على فرسه طالبا للنبي وصاحبه ليظفر بهما فيفخر بتسليمهما إلى أعدائهما من الكفار فلم ينقلب حتى عاد ناصرا معينا مدافعا يعرض عليهما الزاد والمتاع وما يريدان من إبله وغنمه ويرد عن جهتهما كل من أقبل نحوها وهكذا كل من كان الله معه فلن يضره أحد وتكون العاقبة له. ويعود سراقة ويكمل الرسول مسيرته إلى طيبة ويصل هناك ليستقبله المسلمون بحفاوة وترحيب وفرح وحب، وليؤسس صلى الله عليه وسلم دولة الإسلام ويعز الله دينه ويعلي كلمته ولو كره الكافرون ولو كره المشركون.


إنَّ هذه الهجرةِ المباركة وعبرِها هيَ جديرة بأن تبعثَ فينا اليومَ ما قد بعثَته بالأمسِ مِن روحِ العزَّة، وما هيَّأته من أسبابِ الرِّفعة وبواعثِ السموِّ وعواملِ التَّمكين. إِنَّ ٱللَّهَ مَعَ ٱلَّذِينَ ٱتَّقَواْ وَّٱلَّذِينَ هُم مُّحْسِنُونَ

------------------------------------
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
حمس لرجام
عاملي
عاملي
avatar

ذكر
عدد الرسائل : 1902
العمر : 55
العمل/الترفيه : الأنترنت
تاريخ التسجيل : 04/09/2008

مُساهمةموضوع: رد: الهجرية النبوية الشريفة .   السبت ديسمبر 19, 2009 12:00 pm

الهجرة النبوية المباركة - مواقف وعبر -1
إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستهديه ونشكره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهد الله فلا مضلّ له ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أنْ لا إله إلا الله وحده لا شريك له ولا مثيل له، ولا ضِدّ ولا نِدّ له، وأشهد أنَّ سيّدنا وحبيبنا وعظيمنا وقائدنا وقرّة أعيننا محمّدًا عبده ورسوله وصفيّه وحبيبه، بلّغ الرسالة وأدّى الأمانة ونصح الأمّة فجزاه الله عنّا خير ما جزى نبيًّا من أنبيائه. الصلاة والسلام عليك سيِّدي يا علم الهدى يا أبا الزهراء يا أبا القاسم يا محمّد ضاقت حيلتنا وأنت وسيلتنا أدركنا يا رسول الله .

أما بعد عباد الله، فإني أوصيكم ونفسي بتقوى الله العليِّ العظيم ، والسير على خطى رسوله الكريم، يقول الله تعالى في محكم كتابه: ﴿إِلاَّ تَنصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللّهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُواْ ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لاَ تَحْزَنْ إِنَّ اللّهَ مَعَنَا فَأَنزَلَ اللّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَّمْ تَرَوْهَا

وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُواْ السُّفْلَى وَكَلِمَةُ اللّهِ هِيَ الْعُلْيَا وَاللّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ التوبة/40 .

إخوة الإيمان يا أحباب الحبيب، دعا النبيّ صلّى الله عليه وسلّم إلى العدل والإحسان ومكارم الأخلاق ونهى عن المنكر والبغي. فهو أفضل الأوّلين والآخرين على الإطلاق، هو محمّد صلّى الله عليه وسلّم الذي عرّفه قومه قبل نزول الوحي بلقب الأمين فلم يكن سارقًا ولم يكن رذيلاً ولم يكن متعلّق القلب بالنساء، وكان يدور في المواسم التي يجتمع فيها الناس ويقول: "أيها الناس قولوا لا إله إلا الله تُفلحوا". وكان يتبعه رجل من المشركين ويقول: "أيها الناس لا تصدّقوه".

صبر صلّى الله عليه وسلّم على إيذاء المشركين. أليس حينما كان يصلّي عند الكعبة رمى على ظهره عقبة بن أبي معيط سلى جزور؟ وذلك المشرك أبو جهل أراد أن يخنقه بثوبه فمنعه أبو بكر وقال: "أتقتلون رجلاً يقول ربي الله؟". أليس كُسرت رباعيّته من أسنانه؟ أليس ضرب بالحجارة عليه الصلاة والسلام؟ ولكن هذا النبي المؤيّد بنصر الله المبين ثبت كما أمره الله، فما من نبي يتخلّى عن الدعوة إلى الله لشدّة إيذاء، الكفار تعجّبوا لهذا الصبر فقالوا لأبي طالب: "يا أبا طالب ماذا يريد إبن أخيك؟ إن كان يريد جاهًا أعطيناه فلن نمضي أمرًا إلا بعد مشورته، وإن كان يريد مالاً جمعنا له المال حتى يصير أغنانا، وإن كان يريد الملك توّجناه علينا".

ولكن النبيّ الذي يوحى إليه أجاب عمّه بقوله: "والله يا عمّ لو وضعوا الشمس بيميني والقمر بشمالي ما تركت هذا الأمر حتى يظهره الله أو أهلك دونه".

فأجمع المشركون على قتل رسول الله صلّى الله عليه وسلّم وجمعوا من كلِّ قبيلة رجلاً جلدًا ليضربوه ضربة رجلٍ واحدٍ حتى يتفرّق دمه بين القبائل، فأتى جبريل عليه السلام وأخبره بكيد المشركين وأمره بأن لا يبيت في مضجعه الذي كان يبيت فيه. فدعا رسول الله صلّى الله عليه وسلّم عليّ بن أبي طالب رضي الله عنه وأمره أن يبيت على فراشه ويتسجّى بِبُرد له أخضر ففعل ، ثمّ خرج صلّى الله عليه وسلّم وهم على بابه ومعه حفنة تراب فجعل يذرّها على رؤوسهم وهو يقرأ: ﴿يس وَالْقُرْآنِ الْحَكِيمِ إِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ عَلَىصِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ تَنزِيلَ الْعَزِيزِ الرَّحِيمِ لِتُنذِرَ قَوْماً مَّا أُنذِرَ آبَاؤُهُمْ فَهُمْ غَافِلُونَ لَقَدْ حَقَّ الْقَوْلُ عَلَى أَكْثَرِهِمْ فَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ إِنَّا جَعَلْنَا فِي أَعْنَاقِهِمْ أَغْلاَلاً فَهِيَ إِلَىالأَذْقَانِ فَهُم مُّقْمَحُونَ وَجَعَلْنَا مِن بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدّاً وَمِنْ خَلْفِهِمْ سَدّاً فَأَغْشَيْنَاهُمْ فَهُمْ لاَ يُبْصِرُونَ﴾ (يـس).

ثمّ رسول الله صلّى الله عليه وسلّم يختار حبيبه أبا بكر الصدِّيق رضي الله عنه يرافقه في الهجرة، ويدخلان إلى الغار وفي الغار ثقوب فجعل الصدّيق رضي الله عنه يسدّ الثقوب بثوبه وبقي ثقب فسدّه برجله ليحمي حبيبه وقرّة عينه محمّدًا، فلدغته الأفعى برجله فما حرّكها وما أزاحها، فمن شدّة ألَمه بكى رضي الله عنه فنَزلت دمعته وأيقظت رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، فقام صلّى الله عليه وسلّم ومسح له بريقه الطاهر فشفي بإذن الله تعالى.



هادينا والصديق معا ***** في الغار ثقوبا وَجَدَ

وأبو بكر فيهـا وضع ***** ثوبًا مزّقـه إذ وَرَدَ

ويسدّ الباقي من خوفٍ ***** بالرجل لكي يحمي طه

لدغته الأفعى من جوفٍ ***** ما حرّكها وما زاح

فبكى من ألَـمٍ أتعبَهُ ***** والدمعة أيقظت المحبوب

بالريق الطاهر طيّبهُ ***** وارتاح من الألم المكروب



وحمى الله تعالى حبيبه بخيط العنكبوت، حمى الله تعالى حبيبه بأضعف البيوت وأوهن البيوت بيت العنكبوت، فأرسل الله حمامة باضت على فم الغار ونسج العنكبوت خيطه . قال تعالى: ﴿يُرِيدُونَ أَن يُطْفِؤُواْ نُورَ اللّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَيَأْبَى اللّهُ إِلاَّ

أَن يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ﴾ التوبة/32 .

والمؤمنون في المدينة المنوّرة ينتظرون حبّا وشوقًا، ينتظرون وصول الحبيب المصطفى صلّى الله عليه وسلّم، فكانوا يتوافدون إلى مشارف المدينة من ناحية طريق مكّة وكان بعضهم يتسلّق الأشجار وينظر إلى بعد علّه يرى أثرًا لقدوم الحبيب صلّى الله عليه وسلّم، وتمضي الأيام والساعات ويعودون حزينين.

وذات يوم والناس في انتظار بلهف وشوق وقد انتصف النهار واشتدّ الحرّ ورجعوا جماعة بعد جماعة وإذ برجل ينادي بأعلى صوته: ها قد جاء من تنتظرون يا أهل المدينة، فتكرّ الجموع عائدة لاستقبال الحبيب المحبوب والحبّ يسبقها ولسان حالها يقول: "طلع البدر علينا من ثنيات الوداع".

اللهمّ أعد علينا هذه الذكرى بالأمن والأمان يا ربّ العالمين .

هذا وأستغفر الله العظيم لي ولكم



الخطبة الثانية:

إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستهديه ونشكره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيّئات أعمالنا، من يهد الله فلا مضلّ له ومن يضلل فلا هادي له، والصلاة والسلام على محمّد بن عبد الله وعلى كلِّ رسول أرسله الله.

أما بعد عباد الله ، فأوصيكم ونفسي بتقوى الله العليّ العظيم .

الهجرة النبويّة أيها الإخوة لم تكن هروبًا من قتال ولا جبنًا عن مواجهة ولا تخاذلاً عن إحقاق حقٍّ أو إبطال باطل، ولكن هجرة بأمر الله تعالى.

فأنبياء الله تعالى يستحيل عليهم الجبن، فالأنبياء هم أشجع خلق الله. وقد أعطى الله نبيّنا قوّة أربعين رجلاً من الأشدّاء.

فالجبن والهرب هذا لا يليق بأنبياء الله تعالى . "فلا يقال عن النبيّ هرب لأنّ هرب يشعر بالجبن، أمّا إذا قيل هاجر فرارًا من الكفار أي من أذى الكفّار فلا يشعر بالجبن بل ذلك جائز ما فيه نقص ". (الشرح القويم صحيفة 341 ).

واعلَموا أنَّ اللهَ أمرَكُمْ بأمْرٍ عظيمٍ أمرَكُمْ بالصلاةِ والسلامِ على نبيِهِ الكريمِ فقالَ:﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً﴾ اللّـهُمَّ صَلِّ على سيّدِنا محمَّدٍ وعلى ءالِ سيّدِنا محمَّدٍ كمَا صلّيتَ على سيّدَنا إبراهيمَ وعلى ءالِ سيّدِنا إبراهيمَ وبارِكْ على سيّدِنا محمَّدٍ وعلى ءالِ سيّدِنا محمَّدٍ كمَا بارَكْتَ على سيّدِنا إبراهيمَ وعلى ءالِ سيّدِنا إبراهيمَ إنّكَ حميدٌ مجيدٌ، يقول الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ يَوْمَ تَرَوْنَهَا تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَتْ وَتَضَعُ كُلُّ ذَاتِ حَمْلٍ حَمْلَهَا وَتَرَى النَّاسَ سُكَارَى وَمَا هُم بِسُكَارَى وَلَكِنَّ عَذَابَ اللَّهِ شَدِيدٌ﴾، اللّهُمَّ إنَّا دعَوْناكَ فاستجبْ لنا دعاءَنا فاغفرِ اللّهُمَّ لنا ذنوبَنا وإسرافَنا في أمرِنا اللّهُمَّ اغفِرْ للمؤمنينَ والمؤمناتِ الأحياءِ منهُمْ والأمواتِ ربَّنا ءاتِنا في الدنيا حسَنةً وفي الآخِرَةِ حسنةً وقِنا عذابَ النارِ اللّهُمَّ اجعلْنا هُداةً مُهتدينَ غيرَ ضالّينَ ولا مُضِلينَ اللّهُمَّ استرْ عَوراتِنا وءامِنْ روعاتِنا واكفِنا مَا أَهمَّنا وَقِنا شَرَّ ما نتخوَّفُ. عبادَ اللهِ ﴿إِنَّ اللّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ وَإِيتَاء ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاء وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾، يعظُكُمْ لعلَّكُمْ تذَكَّرون. اذكُروا اللهَ العظيمَ يذكرْكُمْ واشكُروهُ يزِدْكُمْ، واستغفروه يغفِرْ لكُمْ واتّقوهُ يجعلْ لكُمْ مِنْ أمرِكُمْ مخرَجًا، وَأَقِمِ الصلاةَ.

------------------------------------
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
حمس لرجام
عاملي
عاملي
avatar

ذكر
عدد الرسائل : 1902
العمر : 55
العمل/الترفيه : الأنترنت
تاريخ التسجيل : 04/09/2008

مُساهمةموضوع: رد: الهجرية النبوية الشريفة .   السبت ديسمبر 19, 2009 12:01 pm

الهجرة النبوية المباركة – حوادث وعبر - 2
إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستهديه ونشكره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهد الله فلا مضلّ له ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أنْ لا إله إلا الله وحده لا شريـك له ولا مثيـل له، وأشهد أنَّ سيّدنا وحبيبنا وعظيمنا وقائدنا وقرّة أعيننا محمّدًا عبده ورسوله وصفيّه وحبيبه، صلّى الله عليه صلاة يقضي بها حاجاتنا ويفرّج بها كرباتنا ويكفينا بها شرّ أعدائنا، صلّى الله عليه وسلّم وعلى كل رسول أرسله.

أما بعد عباد الله فإني أوصيكم ونفسي بتقوى الله العليِّ العظيم ، القائل في محكم كتابه: ﴿إِنَّا لَنَنصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ﴾ سورة غافر/51.

إنّ الله تعالى وعد المؤمنين بالنصر المبين وجعل لهم من الشدّة فرجًا ومن العسر يسرًا ومن الضيق سعة، وإنّ الدروس المستفادة من الهجرة كثيرة ومن جملتها ضرورة الصبر على الشدائد والبلايا وكافّة أنواع الظلم والاستبداد، والصمود في وجه الباطل، والوقوف إلى جانب الحقِّ في شجاعة وحزم وعزم، وإنّ بهجتنا بهذه الذكرى العظيمة تبعثنا على مضاعفة الجهد في سبيل نشر دين الله، تبعثنا على مضاعفة الجهد في سبيل إعلاء كلمة لا إله إلا الله محمّد رسول الله بالتعلّم والتعليم.

ولقد كان لهجرة الفاروق الذي فرق بين الحقِّ والباطل قصّة شأنها شأن كل قصصه وأخباره العظيمة التي تدلّ على حبّه لدين الله واستبساله في سبيل الله، ذلك أنه عندما جاء دور سيّدنا عمر بن الخطاب قبل هجرة الرسول بسبعة أيام، خرج مهاجرًا وخرج معه أربعون من المستضعفين جمعهم عمر رضي الله عنه في وضح النهار وامتشق سيفه وجاء (دار الندوة) وهو مكان تجتمع فيه قريش عادة، فقال الفاروق عمر لصناديد قريش بصوت جهير: "يا معشر قريش من أراد منكم أن تفصل رأسه أو تثكله أمّه أو تترمّل امرأته أو ييتّم ولده أو تذهب نفسه فليتبعني وراء هذا الوادي فإني مهاجر إلى يثرب". فما تجرّأ أحد منهم أن يحول دونه ودون الهجرة لأنهم يعلمون أنه ذو بأس وقوّة وأنه إذا قال فعل .

ومن بركات الهجرة أنّ امرأة مِمّن سبقت رسول الله صلّى الله عليه وسلّم بالهجرة مات ولدها معها في الطريق إلى المدينة، أصابه مرض فمات فتملّكها الجزع فقالت: "اللهمّ إنك تعلم أني ما هاجرت إلا ابتغاء مرضاتك ومحبّة فيك وفي نبيّك فلا تشمّت بي الأعداء"، فتحرّك ولدها من تحت الكفن، قام ولدها في الحال أحياه الله تعالى، والله على كلِّ شىء قدير. قالت أمّه: "طعم وطعمنا".

وبقي حيا إلى خلافة سيّدنا عمر رضي الله عنه.

هاجر رسول الله صلّى الله عليه وسلّم إلى المدينة المنوّرة في شهر صفر وليس في الأول من شهر محرّم كما هو شائع واستقبله المؤمنون بالفرح واستبشر الناس بقدوم رسول الله صلّى الله عليه وسلّم وسمّى الرسول يثرب المدينة المنوّرة، وآخى بين أهلها بين المهاجرين والأنصار وبنى مسجده، وصار المسلمون على قلب رجل واحد لا يفرّق بينهم طمع الدنيا ولا يباعد بينهم حسد ولا ضغينة، مثلهم كمثل البنيان المرصوص يشدّ بعضه بعضًا ومثلهم في توادّهم وتراحمهم كمثل الجسد الواحد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمّى.

وأوّل بيت نزل فيه صلّى الله عليه وسلّم في المدينة المنوّرة بيت خالد بن زيد أبي أيوب الأنصاريّ، وخالد بن زيد كان مِمّن حفظ هذه الأبيات التي قالها أسعد الحميري الذي كان يحكم بلاد اليمن قبل بعثة النبيّ صلّى الله عليه وسلّم بستمائة عام، صفّـت له الجياد من اليمن إلى بلاد الشام فمرّ بالمدينة المنوّرة التي كانت تسمّى يثرب ليكسر أهلها، فاجتمع به حبران من الأحبار المسلمين الذين كانا على دين موسى عليه السلام وقرءا في التوراة أنها أي المدينة المنوّرة هي مهاجر نبي ءاخر الزمان أحمد ، فأنشد أسعد الحميريّ تبع الأوسط:



شهدت على أحمد أنـه ***** رسول من الله باري النسمّ

ولو مدّ عمري إلى عمره ***** لكنت وزيـرًا له وابن عمّ

وجاهدت بالسيف أعداءه ***** وفرّجت عن صدره كل غمّ



قبل ستمائة عام من بعثة رسول الله صلّى الله عليه وسلّم قال هذه الأبيات أسعد الحميري في مدح النبيّ صلّى الله عليه وسلّم وتوارثها أهل المدينة خلفًا عن سلف.

اللهمّ أعد علينا هذه الذكرى بالأمن والأمان يا ربّ العالمين .

هذا وأستغفر الله العظيم لي ولكم

------------------------------------
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
حمس لرجام
عاملي
عاملي
avatar

ذكر
عدد الرسائل : 1902
العمر : 55
العمل/الترفيه : الأنترنت
تاريخ التسجيل : 04/09/2008

مُساهمةموضوع: رد: الهجرية النبوية الشريفة .   السبت ديسمبر 19, 2009 12:04 pm

الهجرة ... فاتحة عهد جديد
كانت هجرة رسول الله سيدنا محمد بن عبد الله صلى الله عليه وسلم من مكة إلى المدينةِ حدثًا هامًا من الأحداثِ الحاسمة في تاريخ الدعوة الإسلامية، فبها انتهى عهد وابتدأ عهد، وصارت طيبة مهاجر النبي ومثواه الأخير حيث دفن جسده الشريف في أرضها.

لقد حفلت كتب السيرة بتدوين حوادث الهجرة المباركة، وتبارت أقلام الكاتبين في ذكر المعاني البالغةِ والعبر التي انطوت عليها رحلة كَتبت للخلائق تاريخًا مجيدًا وعصرًا زاهرًا جديدًا، فكانت نهضة عظيمة لم تعرف لها البشرية مثالاً سبقها.

لقد ناصب رجال القبائل، خصوصًا قريش في مكة، نبي الله العداء، واجتمعوا على إيذائِه وتعذيب أصحابه والوقوف بوجه دعوته ليفتنوا الذين ءامنوا عن دينهم، فأشار الرسول صلى الله عليه وسلم على أصحابهِ أن يهاجروا إلى الحبشةِ فهاجر عشرة رجال وأربع نسوة، ثم زاد عددهم حتى بلغ ثلاثة وثمانين رجلاً وسبع عشرة امرأة سوى الصبيان، هاجروا مخافة الفتنة وفرارًا إلى الله بدينهم فكانت أول هجرة في الإسلام.

وقد أحسن النجاشي ملك الحبشةِ استقبالهم وأكرمهم، فاطمأنوا في جواره وأمنوا. وحاولت قريش التقرب إلى النجاشي بالهدايا النفيسة لاستردادهم والإيقاع بينهم وبين النجاشي، ولكن النجاشي سمع منهم ءايات بينات من القرءان في حقّ نبي الله عيسى عليه السلام وأمه الصدّيقة مريم فصدق بدعوتهم وزاد من إكرامهم وحمايتهم وباءت قريش بالخيبة والخسران المبين.

لقد كان أذى المشركين للمسلمين عجيبًا، ولكن صبرهم على الأذى كان أعجب، فثبتهم الله، فازداد عددهم وقويت شوكتهم، حتى خشي المشركون بأسهم، فأجمعوا على مقاطعة بني هاشم حتى يسلّموا إليهم الرسول ليقتلوه، ولكن أهل بيته نصروه برغم ما وجدوه من الشدائد والأهوال.

ثم فقد النبي الكريم نصيرين بوفاة عمه أبي طالب ثم زوجته خديجة، فانطلق إلى الطائف ولكنه لم يجد من أهلها أذنًا صاغية وءاذوه بأقوالهم وأفعالهم فعاد إلى مكة. وكان يقصد في نشر الدعوة الموسم حيث تأتي القبائل إلى مكة، فوجدت دعوته صدى طيبًا بين أهل يثرب الأوس والخزرج الذين عرفوا وصفه بأنّه نبي ءاخر الزمان من اليهود، فآمن منهم ستة كانوا سبب انتشار الدعوة بعد ذلك.

لقد وجدوا في دعوة التوحيد وتعاليم النبي ما يوحّد كلمتهم ويجمع شتات شملهم ويقضي على ما بينهم من تنازع وبغضاء، ووجدوا في شخصية الرسول صلى الله عليه وسلم ضالتهم المنشودة فاجتمعوا تحت لوائه. لقد دعاهم إلى التوحيد الخالص ونهاهم عن عبادة الأوثان، وعلّمهم الإيمان برسل الله وكتبه المنزلة وملائكته المقربين وبالبعث والجزاء، كما دعاهم إلى مكارم الأخلاق وترك الخبائث من الأعمال والسيئات من العادات وهذا مصداق لقوله جل وعلا في سورة الجمعة :{هو الذي بعث في الأميين رسولاً منهم يتلو عليهم ءاياتِه ويزكّيهم ويعلمهم الكتاب والحكمة وإن كانوا من قبل لفي ضلال مبين}.

وهكذا انتشر الإسلام بالمدينة، ثم لما سمعت قريش بإسلام الأنصار ومبايعتهم له صلى الله عليه وسلم، جزعوا وفزعوا أشد الفزع ووجدوا في ذلك خطرًا عليهم، فيزول سلطانهم وتذهب ريحهم وتتعرض تجارتهم إلى الشام غادية ورائحة لخسران عظيم، فمكروا مكرهم وتآمروا على قتل النبيّ وسمعوا رأي زعيمهم عمرو بن هشام الذي سماه الرسول فيما بعد بأبي جهل، فقد أشار عليهم بأن يجتمع عدد من شبان قبائل العرب يحمل كل واحد منهم سيفًا صارمًا ثم يعمد هؤلاء إلى النبيّ فيضربوه بها ضربة رجل واحد فيتفرق دمه بين القبائل فلا يقدر بنو عبد مناف على قتال قبائل العرب جميعهم ثم يعطونهم الدية بعد ذلك، وقد اجتمع كفار قريش على هذا الرأي.

ثم إن الله تبارك وتعالى أوحى للنبي صلى الله عليه وسلم بتآمرهم ووَعَدَه بالعصمة والنجاة منهم، وأذن الله له بالهجرةِ فأخبر الصدّيق أبا بكر رضي اللهُ عنه بعزمه على الرحيل وقال: يا أبا بكر إن الله قد أذِنَ لي في الخروج والهجرة فقال أبو بكر: الصحبة يا رسول الله. قال رسول الله: الصحبة. فهيأ سيدنا أبو بكر راحلتين لهذا السفر المبارك الميمون.

ثم إن النبي أمر سيدنا عليًّا كرم الله وجهه بالمبيت في مضجعه وأن يلبس بردته وطمأنه أنه لن يصيبه مكروه بإذن الله.

وخرج عليه الصلاةُ والسلام مع أبي بكر الصديق ليلاً ومكثا في غار ثور قرب مكة، ولكن المشركين بثوا العيونَ والأرصاد ووعدوا بالجوائز لمن يظفر بالنبيّ ويأتي به، وباتوا مترصدين فلما أصبحوا ذهبوا إلى مضجعه فأبصروا سيدنا عليًّا فبهتوا وخيّب اللهُ سعيهم وأعمى أبصارهم.

نام في بردة النبيّ عليّ * كي يضلّ الأرصادُ والرقباءُ



ومشى المصطفى يخوض المنايا * والمنايا مشلولة عمياءُ



وهكذا ظفر الغار بشرف ضيافة النزيلين الكريمين ثلاثة أيام، وكان عامر بن فُهيرة مولى سيدنا أبي بكر يمر عليهم بالأغنام فيحتلبان. وكان عبد الله بن أبي بكر يوافيهما بما يجد من الأخبار، حتى سكن من ورائهما الطلب، وغفل عنهما الناس.

وفي اليوم الرابع وافاهما عبد الله بن الأريقط براحلتين فخرجا إلى المدينة. وفي الطريق أدركهما سراقة، وظن أن الفرصة سانحة لربح الجائزة، ولكن فرسه عثر به وساخت في الأرضِ قوائمه، وأحدق به إعصار، عندها استغاث سراقة ووعد أن يكتم أمرهما، ووفى سراقة بما وعد.

ولما وصل النبي صلى الله عليه وسلم وصاحبه رضي الله عنه إلى المدينة كان النصر والتأييد من الأنصار، وءاخى الرسول بينهم وبين المهاجرين فكانت نقطة تحول مهمة كسبت منها الدعوة الإسلامية قوة واندفاعًا، وذيوعًا وانتشارًا، وأعوانًا وأنصارًا.

وشاعَ في نفوس المؤمنين سرور اللقاء فالإسلام يدعوهم إلى العدل والإحسان، وينهاهم عن البغي والعدوان، ويؤلف بين قلوب كانت فرّقتها الجاهلية، ويجمع كلمات مزقتها العصبية. وأمرهم نبيّهم بإفشاء السلام وهو عنوان المودة والرحمة، وأمرهم بإطعام الطعام وهو ءاية التعاون والتراحم، وبصلاة الليل والناس نيام وهي صلاة الأوابين المتبتلين.

لم تكن هجرته صلى الله عليه وسلم جُبنًا أو فرارًا بل كانت انتقالاً من دار صعب فيها نشر الدعوة إلى دار وضع فيها أساس الدولة الإسلامية العظيمة، فتألفت قلوب الأوس والخزرج وتآخى المهاجرون مع الأنصار فصارت الهجرة فرقانًا بين الحق والباطل وكثر المؤمنون بعد قلة واجتمعوا بعد شتات.

إن علينا أن نعتبر بمعاني الهجرة ونأخذ منها الدروس والعظات؛ ففي الهجرة مفارقة للوطن والأهل والديار والأموال، وفي هذا ثبات المؤمن على عقيدة الحق، وصبر وعزم وتضحية جعل الله فيها الثواب الجزيل، والرسول صلى الله عليه وسلم يقول :"إنّما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرىء ما نوى فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله فهجرته إلى الله ورسوله ومن كانت هجرته لدنيا يصيبها أو امرأة ينكحها فهجرته إلى ما هاجر إليه".

------------------------------------
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
 
الهجرية النبوية الشريفة .
الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
منتديات حركة مجتمع السلم لرجام - تيسمسيلت  :: منتدى الشريعة الإسلامية :: قسم الدروس والمحاضرات-
انتقل الى: