منتديات حركة مجتمع السلم لرجام - تيسمسيلت

بسم الله الرحمان الرحيم (( وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُون )) التوبة / 105  
اليوميةالرئيسيةس .و .جبحـثالتسجيلدخول

شاطر | 
 

 آسف..ربما جرحت مشاعرك....بقلم رئيس الحركة

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
حمس لرجام
عاملي
عاملي
avatar

ذكر
عدد الرسائل : 1902
العمر : 55
العمل/الترفيه : الأنترنت
تاريخ التسجيل : 04/09/2008

مُساهمةموضوع: آسف..ربما جرحت مشاعرك....بقلم رئيس الحركة   الجمعة فبراير 05, 2010 8:26 pm

مقدمة : بعض الناس طبعهم جد حساس، وقلوبهم شفافة رقيقة، ومشاعرهم مرهفة تتأثر بالكلمة وتهزها اللفتة وتجرحها الغفلة ويأكلها الإهمال، هذا الصنف من الناس لا يستطيعون "التكيف" مع واقعهم بسهولة، لذلك تجدهم يختارون الهروب إلى العزلة والانزواء، ويجدون راحة داخلية عندما يقطعون صلتهم بالعالم الخارجي وينهون الصلة بكل ما يربطهم بالناس بحثا عن راحة موهومة يوفرها الإيلاف مع "عالم الأشياء" بعد أن عجزوا عن نسج علاقات مع "عالم الأفكار" وفشلوا في التواصل مع دنيا البشر، بل وفشلوا في مدّ جسور حب تربطهم بالناس..وهم لا يدركون أن الدنيا هكذا حالها : خير وشر، وكرّ وفرّ، وحلو ومرّ..وأن "الخلطة" مع الناس هي إحدى أهم الطرق للتواصل والتعارف والدعوة إلى الله تعالى : خاصة إذا كنت تعتقد أنك "الطبيب" تحمل للبشرية علاجات لأمراضهم ومضادات لهمومهم ومسكَّنات أسقامهم، فيدفعك ذلك إلى مخالطتهم والصبر على أذاهم والإنفاق عليهم مما رزقك الله في السراء والضراء وإذا أصابك من بعض هؤلاء سوء فلتكظم غيظك وتعفو عن الناس ليحبك الله: "والله يحب المحسنين".




1- مشاعر الناس :


للناس مشاعر كالبللّور أو هي شفافة وحسَّاسة مثل "الكريستال" تتأثر بأي جسم خارجي يقع عليها عندما يتواصل الإنسان مع محيطه ويجد في هذا التواصل ما يملأ قلبه بالسعادة وما يشبع فضوله دون أن تتعرض مشاعره للإستهزاء أو يتسلل إلى عالمه سوء من طرف من لا يقدر رهافة حسه وحساسية طبعه، لكن -وهذا مؤسف حقا- أن بعض العظماء لا يتمكنون من إنجاز روائعهم إلاّ إذا فروا من دنيا البشر، وعانوا العزلة واختفوا عن الأنظار.

إن السر في ذلك هو أن الناس كالأرض تماما : منها سهول ممهدة وأرض ممتدة، ومنها مرتفعات وجبال وتلال، ومنها وديان وقيعان ومنحدرات، ومنها مزارع ومنابت ومخاصب، ومنها صخور وأجادب وصفوان وصحاري...وحينما تتساقط الأمطار أو تتراكم الثلوج فإن الأرض تتفاوت في انتفاعها بالغيث :
- بين مبتلع للمياه دون شبع بغير إنبات ولا مساهمة في تعديل طقس
- وبين امتصاص نافع يحيي الأرض بعد موتها ويخرج نبات كل شيء
- وبين ممسك الماء لتشرب منه الدواب والطيور
- وبين دافع للسيول إلى المنحدرات متخلصا منها.

وهكذا الناس إذا جالسوك أو حدثوك أو سمعوا منك كلاما أو رافقوك في سفر أو صاهروك أو جاوروك أو أقاموا معك تجارة، ظهر على سلوكاتهم ما يترجم حقائقهم وما يكشف عن نياتهم، فبعض الناس يحسون أنهم أطهر من كل ما خلق الله تعالى، ويظنون أنهم "صعيد طيب" وعندما يخالطون الناس أو يجالسونهم فإن "نجاستهم" تنتقل إليهم فيختارون أقصر طريق إلى راحة النفس وهو الجلوس في البيت والانشغال بالنفس عن الناس، هؤلاء لم يفقهوا سرّ خلقهم ولم يدركوا معنى قوله تعالى "لتعارفوا" فكيف يعرف الناس من يخشى لقاءهم وكيف يحب الناس من ضرب بينه وبينهم بسور من العزلة والانزواء؟؟

إن العزلة ليست طريق المجاهدين والانزواء ليس منهج الدعاة، والإطلالة على الناس من برج عاجي لا يصنع تاريخا ولا يخرج أمة من ظلماتها وتخلفها، وما قرأنا عن نبيّ ولا رسول ولا داعية ولا مصلح أنه "غير" النفوس والقلوب وهو يتحدث إلى البشرية من وراء حجاب، فصناع التاريخ وبُناة الحضارة ومغيرَّو أحوال الناس يشتركون في خمس ميزات :
- القدرة على التعايش مع الناس وترويضهم على ما هو أصلح
- القدرة على بناء العلاقات ومدّ الجسور والتجاوز عن السفاسف
- البراعة في الحديث الذي ينقل الناس من الوهم إلى الحق
- إرادة الخير للناس والقدرة على كشف حسنة واحدة داخل أكوام من السيئآت
- وأخيرا، القدرة على تخطي الحواجز والصبر على الأذى في سبيل غاية كبيرة .

والمشكلة الأساسية أمام سجناء الوهم هي عجزهم عن التعامل مع الآخرين، لأنهم من أشد الناس شحا إذا وجدوا أنفسهم مجبرين على التصدق ببعض عواطفهم لتليين قلوب الآخرين، بل هم أبخل خلق الله إذا دعوا إلى زرع الحب في قلوب الناس، وما علم هؤلاء الجفاة أن الحياة كلمة طيبة، وأن الكلمة الطيبة صدقة، وأن كبار النفوس لا تلوي أعناقهم جفوة من صديق أو زلة لسان من متحدث لذق، فالقلب الكبير كالأرض الممراع تخزّن الماء لوقت الجفاف فإذا أمحلت الأرض وصوح الزرع أمدت الجذور اليابسة الضاربة في أعماقها بمصدر الحياة فاهتزت وربت وأنبتت من كل زوج بهيج..

إن صاحب القلب الكبير يسمع ولكنه يتظاهر بالصمم، ويرى ولكنه يتظاهر بالعمى وتصل الكلمات النابية قلبه كالسهام ولكنه يتقيها برحابه صدر وانشراح قلب وتسامح لا يقدر عليه إلاّ العظماء الكبار الذين قال القرآن الكريم في أمثالهم : "والذين يجتنبون كبائر الإثم والفواحش وإذا ما غضبوا هم يغفرون والذين استجابوا لربهم.."، هؤلاء هم الذين يمهدون للبشرية طريق الخير ويعبَّدون للحضارة مسالك القيام والإزدهار، لأنهم جُبلوا على مقابلة الضيق بالإتساع والغضب بالتسامح والإساءة بالصفح والغفران..ويزرعون الورود في كل طريق ويقتلعون الأشواك من طريق السائرين..

إن أقصر طريق إلى قلوب الناس هو أن تتغافل عن زلاتهم وتعلو فوق جراحك وتدرك أن بعد العسر يسرا، وتقدَّر أن للناس ظروفهم فتعذرهم وتتفهمهم، فإن لم تستطع وجب عليك تقدير ظروفهم وحلمهم على قد عقولهم.. فإذا آنسوا منك هذه العاطفة أحبوك، وإذا أحبوك صار كل شيء فيك جميلا، وكل ما يصدر عنك جميل :
- إذا انطلقت أصغوا إلى حديثك وكأنك تسقيهم عسلا
- وإذا أمرتهم نفذوا أوامرك وضحوا في سبيل تجسيد ما تأمرهم به
- وإذا مسك سوء وضعوا أنفسهم فداء لحياتك لأنهم قطعة منك
- وإذا سرت بهم إلى "برك الغماد" خاضوا دونك أنهارًا وبحارًا

صحيح، إن العقل البشري هو الذي يفكر وهو الذي يقدر ويدّبر ولكنه خاضع لحرارة العواطف ونبل المشاعر ونبض الأحاسيس، لذلك تجد عاطفة الأمومة والأبوة والعاطفة الوطنية تسبق "منطق" العقل، بل إن العقل أحيانا يجد نفسه مقيدا وعاجزا أمام سلطان العقيدة وعاطفة الجماعة وسطوة الحب إذا استحكم من مجامع القلوب.

فالعقل كنز عظيم ولكن مفتاحه القلب الرحيم..

لذلك قلت دائما : إن الناس ليسوا قوالب طوب ولا قطع غيار..بل هم عواطف ومشاعر وقلوب نابضة بالحب، فإذا تعاملت معهم بما هو في مخزونهم العاطفي صار العقل مستعدا ليسمع ويقيس ويوازن ويحكم..أما إذا "صدمت" العاطفة من اللحظة الأولى فإنها لا تسّمح للعقل بأن يفتح معك باب النقاش، لأن الذي تصدم عواطفه يغلق في وجهك كل الأبواب المفضية إلى ممرات العقل، فكيف تطمع في أن تتحدث إلى عقل وقلب صاحبه مطعون بما قلت ومجروح بما فعلت :
- أدخل قلوب الناس من باب العاطفة ثم أطلب مقابلة العقل بسهم من سهام عذرك
- قدم بين يدي نجواك "حبا" تلجم به نزوات العواطف ثم حرك نظرات العقول
- إن من يحبك مضطر أن يسمع إليك ولو كنت مخطئًا ثم يحاول تصحيح خطئك
- أما من يكرهك لأنك جرحت كرامته، وصدمت قلبه فليس له أدنى استعداد ليسمع منك شيئا ولو كنت تتلو عليه القرآن الكريم، لأن منافذ الاتصال إلى العقل تمر وجوبا بالقلب، فإذا كسبت قلوب من تتحدث إليهم أمسكت بزمام "خطاب العقول" ولك بعد ذلك أن تنتقل من "الحكمة" إلى الموعظة الحسنة ثم منهما إلى الجدال بالتي هي أحسن.
وهذه هي حكمة القرآن في دعوة الناس..


2- الحياد أكذوبة كبرى :


بين العقل والقلب وشيجة معقدة خلاصتها أن القلب يتمنى والعقل يبحث عن الوسائل والطرق الموصلة إلى تجسيد هذه الأمنية، والقلب يكره أو يبغض والعقل يبحث عن مبررات ذلك..وهكذا :
- فالقلب هو الذي يؤمن والعقل يتولى إختراع أدوات الدفاع عن العقيدة وصحتها
- والقلب هو الذي يختار ويأتي العقل ليكشف عن ايجابيات هذا الخيار
- والقلب هو الذي يتعلق بالشيء ودور العقل هو تزيين هذه العلاقة، ولذلك عندما تعرض الأشياء أو الأفكار أو العقائد أو حتى العلاقات بين الناس على العقل ليقول فيها كلمته فإنه "يستأذن" القلب في الاستكانة إليها أو النفور منها ثم يصدر حكمه عليها، وعملية الإستئذان هذه هي مربط الفرس في كل علاقة ننسجها أو ننهيها مع محيطنا الخارجي، وهو نفس المعنى الذي عبر عنه الشاعر :
- عين الرضا عن كل عيب كليلة : (فالقلب راض بها ودور العقل حجب عيوبها وتضخيم محاسنها)
- وعين السخط تبدي المساويا : (لأن القلب رفضها وعلى العقل أن يبحث عن عيوبها مهما كانت صغيرة فيضخمها،) ومن هذه الزاوية يدخل كل ما له علاقة بالتعصب بدءا بالتعصب الأكبر لعلي (رضي الله عنه) وآل البيت (عليهم الرضوان) في مقابل التعصب لأبي بكر وعمر (رضي الله عنهما) وانتهاء بالتعصب للعشيرة والقبيلة وفريق كرة القدم ورئيس الحزب الفلاني أو المفكر والداعية والفنان..الفلاني.

فأين الحياد في كل هذه العمليات؟
إن ما أريد الوصول إليه هو : أن الحب مهم جدا في حياة الإنسان وتوازنهم العاطفي.. لأنه الوسيلة المثلى للتكيف مع المحيط وإحداث الانسجام اللازم لكل عملية أو نشاط يراد له النجاح ولا يهم بعد ذلك إن كان إسم هذا الشعور حبا أو إعجابا أو تأثرا أو "قدوة" للناس، فمن كان حاضرا في قلوب الناس كان حاضرا في عقولهم، وكل شيء قريب إلى القلب هو بالضرورة قريب إلى العقل، ولا يهم بعد ذلك إن كانت الأحكام الصادرة –في حق هذا الشيء أو ذاك- حيادية تماما أم ينقصها بعض الحياد، فيكفي فقط أن يكون العمل متقنا وصاحبه راضيا عنه تماما لأنه نابع من القلب، وبهذا المعيار تصبح العلاقة التي نريد لها النجاح بحاجة إلى جرعة من الحب الصادق تضفي عليها طابع الحرارة والتفاعل مع الذات ومع الموضوع وتسهل عملية الاتصال بين العقل والقلب حتى لا تصبح العلاقات بين الناس باردة أو نفعية تماما لا أثر فيها للعواطف ولا حتى للمجاملات...


الخاتمة :


عندما تسمع كلمة "آسف" أو أعتذر لك، أو أنا أخطأت في حقك، أو ربما جرحت مشاعرك، أو من يقول لك : لقد كنت مخطئًا تجاهك ولذلك أقدم اعتذاري لك، فافتح صدرك للتسامح، فقد يكون لهذه الكلمات مفعول السحر في قلبك فتبادر فورًا بفتح كل الممرات التي كانت مغلقة بينك وبين من قدم الاعتذار لا لشيء سوى أن كلمة "آسف" هي أحد أهم المفاتيح التي تساهم في معالجة الجرح الذي تحدثه الكلمات النابية في عمق القلوب المرهفة التي تجرحها كلمة خشنة وتداويها كلمة رقيقة، وما بين الجرح والعلاج مدة زمنية قصيرة، حددها الإسلام بثلاثة أيام، وكلما طالت فترة الخصام تحجَّر القلب وتعفن الجرح وصار شفاؤه أكثر تعقيدا، لذلك ننصح بألاّ يطول الزمن فوق ثلاثة أيام من الهجر فإذا ركب صاحبك رأسه فانتصر للهجران.. فأركب أنت عواطف التسامح وافتح عليه عالمه المغلق وأطرق أبواب قلبه بالسلام وسوف تجدها مفتوحة على مصراعيها، فكن أنت البادئ الأكرم، وتمثل قول الرسول الكريم (ص) : "فيلتقيان فيعرض هذا ويعرض هذا وخيرهما من يبدأ صاحبه بالسلام".

------------------------------------
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
 
آسف..ربما جرحت مشاعرك....بقلم رئيس الحركة
استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
منتديات حركة مجتمع السلم لرجام - تيسمسيلت  :: المنتدى السياسي :: قسم الأقلام السياسية-
انتقل الى: