منتديات حركة مجتمع السلم لرجام - تيسمسيلت

بسم الله الرحمان الرحيم (( وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُون )) التوبة / 105  
اليوميةالرئيسيةس .و .جبحـثالتسجيلدخول

شاطر | 
 

 ضريبة الانتساب للصف الأول (01 من 04) .... بقلم رئيس الحركة

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
حمس لرجام
عاملي
عاملي
avatar

ذكر
عدد الرسائل : 1902
العمر : 55
العمل/الترفيه : الأنترنت
تاريخ التسجيل : 04/09/2008

مُساهمةموضوع: ضريبة الانتساب للصف الأول (01 من 04) .... بقلم رئيس الحركة   الثلاثاء فبراير 16, 2010 7:55 pm

مقدمة : الصف الأول في أية جماعة أو حركة أو حزب أو دولة..هو "الواجهة" التي يقرأ فيها الناس ملامح وجه مؤسساتها لأنها –في نظر الرأي العام- تمثل "زبدة" ما تحتويه المؤسسة من رجال (عقيدة، وشريعة، وسلوكا، وأخلاقا) لذلك كانت تكاليفها أثقل وحسابها أشد، والضربات العنيفة لا توجه عادة إلى الأطراف بل إلى الرأس، والتشوهات التي قد يحملها الإنسان في أي بقعة من جسده لا يمكن أن يطلع عليها الناس، إلاّ النزر القليل من المقربين (زوجته أولاده، أولياؤه..) أما إذا طال التشويه وجهه فلا يملك أن يخفيه إلاّ إذا سلك أحد طريقين:


- إما أن يحتجب عن الأنظار فلا يراه أحد، وهذا موت أصغر للإنسان
- وإما أن يحجب وجهه بقناع ساتر لا يعرفه به أحد، وهذا زيف أكبر لمن يحاول أن يعيش مع الناس بغير الوجه الذي خلقه الله به. وسأسوق قصة تخلف كعب بن مالك عن غزوة تبوك من السيرة العطرة أوضح بها هذه المعاني التربوية.

1- قصة كعب :


كعب بن مالك (رضي الله عنه) هو أحد الصحابة الكبار الذين شهدوا بيعة العقبة الثانية وحضروا المغازي ووقفوا –في الصف الأول- مع جيل التأسيس في كل الغزوات، ولكنه في تبوك (وهي آخر غزوة غزاها رسول الله صلى الله عليه وسلم) لما نادي المنادي بالنفير، يوم الخميس في رجب سنة 09هـ قاصدًا "بني الأصفر" وقد بلغ عدد المجاهدين ثلاثين ألفا في تبوك..يومها حدثته نفسه بالتأخر لبعض الوقت لا بتياع ما يحتاجه من متاع، وكان الوقت مغريا بالبقاء في المدينة المنورة :
- فالجو حار قائض، والشمس تلسع بأشعتها أجساد العباد.
- والثمار طابت غلالها والتمور تدلت من النخيل عراجينها
- والسفر طويل وشاق لأزيد من 700 كلم على حدود الشام
- والعدو متربص ينتظر لحظة الانقضاض على المسلمين بعد تجربة مؤتة قبل ثلاث سنوات
- والجيش كله متطوع في سبيل الله، وليس، بين يدي القائد، سجلات تحصي أسماءهم
- وعدد المتطوعين كثير، فقد بلغ (30.000) ومن تغيب يصعب تفقده، بسبب كثرة الزاحفين إلى أرض المعركة..
في هذه الظروف حدث لكعب بن مالك (رضي الله عنه) – وهو الذي يتحدث عن هذه الواقعة بعد وفاة رسول الله- ما لم يكتم منه شيئًا..فقد كان في عز شبابه يوم تبوك، وكان ميسور الحال بحيث جهز راحلتين خصصهما للجهاد، وكان يتفقد بساتينه لحظة قرع مسامعه صوت النفير بالاستعداد للخروج في سبيل الله.. فحدثته نفسه أن يتأخر يوما واحدا أو يومين لترتيب بعض شؤونه ثم يلتحق بالركب، وعلل ذلك بأن يتجهز أفضل، وقد نزل إلى السوق، وفي نيته أن يتجهز ويدرك القافلة، خلال يوم أو يومين، ولكن نفسه حدثته –للمرة الثانية- أن يؤجل يوما آخر وينطلق بعد غد ويلتحق بالمرابطين..وبعد غد تكررت أحاديث النفس وبدأت العزائم تخور أمام بعض جواذب الحياة، وبعد أسبوع بدا له أن اللحاق بالمجاهدين صعب المنال، وطي المسافة، بين المدينة وتبوك، ضرب من الخيال، وهنا بدأت نوازع الإيمان تعمل عملها في سرادق الفتور، وتصارعت في أعماقه ذكريات المنازلات الأولى بين معسكر الإسلام ودهاليز الكفر، فنزل إلى السوق يتجول ويتفقد حال المدينة فلم يجد من الذكور إلاّ نوعين من الناس :
- أناس مغموص عليهم في النفاق، حبسهم نفاقهم عن الخروج.
- وأناس ذوو أعذار من العميان، والعرجي، والمرضى، حبستهم أعذارهم.
ولم يكن الرجل منافقا ولا هو أعمى ولا أعرج ولا مريضا..فما هو العذر الذي حبسه؟

أمام هذا المشهد المروع أصيب كعب بالذعر مما حدثته به نفسه : كيف يتخلف عن رسول الله (ص) بعد ما أعز الله بأمثاله الإسلام وصار عدد المقاتلين ثلاثين ألفا في الوقت الذي كان ملازما للرسول (ص) في ساعة العسرة، ولم يتخلف حتى عن بيعة العقبة (بيعة الحرب) في أحرج لحظات التأسيس، ماذا سوف يقول لرسول الله (ص) لو تفقده وسأل عنه فلم يجده؟ ما هو العذر الذي سوف يقدمه بين يدي رسول الله (ص)؟ إذا عاد الجيش يتحدث عن انتصارات وشهداء ماذا سوف يكون موقفه؟ وإذا هُزم جيش الإسلام وحدثت فيه "مجزرة" وتصدع الناس عن رسول الله (ص) كما حدث في غزوة أحد أو يوم حنين.. فبأي عذر يقابل كعب ربه تبارك وتعالى؟

وبالفعل، ففي تلك اللحظات التي أصابت قلب كعب بالغبن والألم والحسرة كان رسول الله (ص) يسأل عنه أصحابه وأقاربه دون سواه ويسميه بالإسم : "ما فعل كعب بن مالك" ياللهول : رسول الله يسأل عن كعب وهو غائب، ولا أحد يملك إجابة صحيحة عن هذا الغياب..وتطوع بعض الصحابة من أبناء عمومة كعب (من بني سلمة) (عليهم الرضوان) بالجواب :
- يا رسول الله خلّفه برداه والنظر في عطفيه : ومعناه أن كعبا تحول (بعد كل الذي قدمه للإسلام والدعوة والتأسيس) إلى إنسان نرجسي معجب بنفسه يهمه لباسه وعطره والازدهاء بنفسه..حاشا، وكلا..ما هذه هي الحقيقة.
- ورد معاد بن جبل على صاحبه موضحا ومدافعا عن عرض أخيه بظهر الغيب قائلا : "يا نبيّ الله ما علمنا عليه إلاّ خيرا " وأمام هذه الشهادة الرائعة لم يرد الرجل بشيء ولم يعلق رسول الله (ص) بشيء، فقد أدرك أن كعبا ليس من هذا النوع الذي تغره الدنيا، وما حبسه إلاّ شيء قاهر قد يكون فوق الطاقة، أو ربما حامت بنفسه بعض المعاذير، ولما تطوع معاذ بن جبل بالدفاع عنه فقد توازنت كفتا ضوابط التربية والخلق..فسكت رسول الله (ص) مقرا بهذه النتيجة..

لن أطيل، في سرد كثير من تفاصيل غزوة تبوك، المهم مضت المعركة وقفل الجيش راجعا إلى المدينة، وسبقته أخبار الانتصارات، ووجد المخلفون حرجا كبيرا في مواجهة الموقف، حتى أن بعضهم ربط نفسه بسرايا المسجد وأقسم ألاّ يفك أحد قيده حتى يحرره رسول الله (ص)، وكان أشدهم حرجا كعب بن مالك الذي ما سأل رسول الله (ص) إلا عنه وعن أسباب تخلفه عن الركب.. برغم أن الذين تخلفوا –بدون أعذار- عن هذه الغزوة زاد عددهم عن بضعة وثمانين رجلا، ولكن السؤال كان عن كعب وحده دون سواه..واتصل كعب بمن يعرف من الكبار يسألهم ماذا سوف يقول لرسول الله (ص) واستقر رأيه، على المواجهة بالصدق، دخل رسول (ص) المدينة فانصرف مباشرة إلى المسجد فصلى ركعتين، ولما فرغ من الصلاة، لاحظ بعض الرجال يربطون أنفسهم بعرصات المسجد.. والتف حوله كثير من الذين تخلفوا و بدأوا يبسطون إليه الأعذار ويحشدون له المعاذير وهو يستمع إليهم ولا يعلق بشيء، فلما فرغوا سكت ولم يرد.. وفهموا منه أنه تقبل أعذارهم ظاهريا، وكان الأمر كذلك ما داموا قد قالوا، ما قالوا فحكم عليهم بما صدر منهم من أقوال وأوكل نياتهم وسرائرهم لعلام الغيوب.

هؤلاء ليسوا –في مجملهم- من رجال الصف الأول، وليسوا قادة..وليسوا مؤسسين..وليست في أعناقهم بيعة..وما شهدوا بدرا ولا أحدا..وهم بهذه المواصفات لا يقفون من الهرم التنظيمي في الصف الأول..أما كعب فشيء آخر، بل هو رجل آخر..إنه رمز للقيادة أو هو جزء من القيادة.. وحسابه مختلف عن هؤلاء، لذلك لم يدخل مع العامة وترك رسول الله (ص) يفرغ من حسم الأمر مع من يحسنون صياغة المعاذير، ثم دخل على رسول الله بأدب وحياء.. فسلم عليه فكان الرد باهتا، مجرد إبتسامة باردة تحمل كثيرا من المعاني التربوية.. فقد "تبسّم رسول الله تبسّم المغضب" فلما جلس كعب بين يديه سأله بصرامة "ما خلَّفك؟ ألم تكن قد إبتعت ظهرك؟" أي أن ما يعتذر به القوم من أنهم لا يملكون ما يحملهم إلى أرض المعركة منتف في حقك يا كعب وأنت قد اشتريت دابتين..فما هو عذرك؟

وأجاب الرجل بصدق بأن العذر ليس في نقص إمكانيات أو في ضعف يقين أو كان العذر حابسًا قاهرًا فوق الطاقة، وكرر رسول الله (ص) السؤال : "ما خلَّفك؟" وفكر كعب وهو صاحب فصاحة وجدل وقوة حجة، وكيف لا وهو شاعر فحل ومتحدث مفوّه.. وكان يستطيع ببلاغته وحسن بيانه أن يخرج من هذا الحرج بألف طريق ولكنه اختار الطريق الأقصر..اختار الصدق : "يا رسول الله، إني والله لو جلست عند غيرك من أهل الدنيا لرأيت أني أخرج من سخطة بعذر، ولقد أُعطيتُ جدلا، ولكني والله لقد علمت إن حدثتك اليوم حديث كذب ترضى علي ليوشكن الله أن يسخطك علي، ولئن حدثتك حديث صدق تجد علىَّ فيه إني لأرجو فيه عفو الله عني..".

يا لها من جرأة وشجاعة..وصراحة..وصدق..وكلها مواقف دالة على معادن الرجال ونقاء سريرتهم، ثم قال : "يا رسول الله، والله ما كان لي من عذر، والله ما كنت قط أقوى ولا أيسر مني حين تخلفت عنك.." وسكت، فالتفت رسول الله (ص) إلى أصحابه قائلا : "أما هذا فقد صدقكم الحديث.." ثم إلتفت إليه قائلا : "قم حتى يقضي الله فيك" فقام كعب فزعا مما سمع وغادر المسجد تصطك فرائسه..والتحق ببيته صامتا لا يدري ما يصنع..

وهنا تبدأ حكاية مليئة بالدروس التربوية والعبر الإيمانية..نحبّ أن نفرد لها حديثا خاصا لنفاستها، قبل أن نصل إلى صلب الموضوع الذي أردناه دروسا مربية لرهط من الناس صار بعضهم ينظر إلى نفسه وكأنه هو الإسلام، فإذا كنت معه في الصف فأنت مسلم كامل وإذا خالفته الرأي خرجت عن الإسلام، مع أن الجميع يدرك أن حق الجماعة (المؤسسة) على الفرد أوسع بكثير من حق الفرد على الجماعة، وأن الواجبات تتسع دوائرها كلما اتسعت دائرة المسؤولية، وأن الحمل يصبح أثقل عندما يقترب المسؤول من دائرة صنع القرار ويقف في الصفوف الأمامية، لذلك جاءت هذه القصة لتضع أمامنا منهج التربية السلوكية في علاقة الفرد بالجماعة وعلاقة الجندي بالقيادة..إلخ، فقد تخلف من الصحابة (عليهم الرضوان) أكثر من ثمانين (80) نفرًا عن المشاركة في عزوة تبوك –منهم عشرة ليس بهم نفاق- ولكن القرآن أهملهم جميعا ولم يذكر منهم تلميحًا إلاّ من قال فيهم : "وآخرون اعترفوا بذنوبهم"، أما الثلاثة فقد تقصّد ذكرهم القرآن : "وعلى الثلاثة الذين خلفوا.." ثلاثة فقط، وكان أشدهم بلاء ومحنة هو كعب بن مالك السلمي، وثانيهما هلال بن أمية الواقفي ، وثالثهما مرارة بن الربيع العمري (وكلاهما –هلال ومرارة حضر بدرا وبيعة العقبة وبيعة الرضوان).

فلماذا تشددت القيادة على هؤلاء الثلاثة وتساهلت مع البقية؟ ولماذا ضاقت عليهم الأرض –وهي واسعة- لما كانوا صادقين مع الله ومع أنفسهم ومع رسول الله (ص)؟

2- ضريبة الصف الأول :

لم يتسامح رسول الله (ص) مع ثلاثة من الذين خُلّفوا وهم أزيد من ثمانين كلهم تخلفوا ليس فقط –كما يشاع- أنه تشدد في معاملاتهم بسبب صدقهم وتساهل مع غيرهم لأنهم تواروا خلف أعذار واهية كان رسول الله يعلم أنهم ما أرادوا بها إلاّ تخليص أنفسهم من العقاب، بدليل أنه لما سمع رواية كعب بن مالك (رضي الله عنه) إلتفت إلى أصحابه (عليهم الرضوان) وقال لهم : "أما هذا فقد صدقكم الحديث" فبمفهوم المخالفة يكون غيره قد كذبهم الحديث، ولذلك ليس هذا هو السبب الوحيد الذي جعل عقوبة هؤلاء الثلاثة شديدة وقاسية، مع التسليم بأن الصدق مع الله ورسوله دليل إيمان والكذب عليهما دليل كفر أو نفاق، وقد كان كعب مؤمنا لذلك كان صادقا..ومع ذلك هناك أسباب كثيرة تعضد هذا السبب، يمكن حصرها في الأتي :
- أن كعبا من الجيل الأول، ومن رجال الصف الأول، وهو شاعر رسول الله، وهو الذي واكب حركة التأسيس، فكيف لمؤسس أن يتخلف عن معارك الإسلام ويحرم نفسه من استكمال بناء المؤسسات،
- أن كعبا حضر التأسيس، وشهد بعدها بيعة العقبة الثانية، وما أدراك ما بيعة العقبة التي سميت "بيعة الحرب" وتضمنت بنودها التزاما بحماية رمزيات الدعوة الناشئة والذبّ عن حياض الإسلام ومنع الشر عن القيادة بمثل ما يمنع الإنسان ذلك عن شرفه وأرحامه، فكيف يتخلف من بايع على السمع والطاعة في المنشط والمكره، وهو مستطيع ولم يدع إلى معصية ولا إلى قطع صلة رحم..
- أن كعبا كان قادرا على الخروج والقيام بالواجب وزيادة، ففي الوقت الذي كان المتطوعون يسألون رسول الله (ص) أن يوفر لهم من المركوبات ما لا يتم الواجب إلاّ به فيردهم بالجواب الصريح : "لا أجد ما أحملكم عليه" فإن كعبا –في هذا الظرف- كان يملك دابتين، لذلك كان أول ما سأله عنه رسول الله (ص) : "ما خلفك؟ ألم تكن قد ابتعت ظهرك" أي أنك اشتريت مركوبا ووفرت دابة لمثل هذا اليوم، فما الذي حال بينك وبين النفير؟
- أن كعبا جزء من تشكيلة القيادة، ورجل من رجال الصف الأول..وهو بهذه المواصفات لا يليق به أن يتخلف عن "تكثير السواد" إذا كان عاجزا عن ترجيح كفة النصر، وهو قادر على ذلك، فكيف به "يستثقل" النفرة مع "رفاق السلاح" ويؤجل ذلك إلى غد وبعد غد.. .

إن الدرس التربوي الواضح من هذه القصة العظيمة هو أن قيادات الصف الأول لا يليق في حق أيًّ منهم أن يتثاقل عن نصرة إخوانه إذا كان في نيته الالتحاق بالركب، فالله تبارك وتعالى أمر بالنفرة العامة وجعل التنافس للوصول إلى ساحة الوغى موجتين بينهما كفلان من الحسنات:

- موجة النافرين خفافا، وهم الذين باعوا أنفسهم وأموالهم لله، وجعلوا حياتهم في خدمة هدف واحد رسموه لأنفسهم بشعار : "الله غايتننا".
- وموجة النافرين ثقالا، من الذين ينتظرون رجحان الكفة أو قياس نبض الساحة فيرسلون "عيونا" تترصد الأوضاع وتوافيهم بالأخبار : هل امتلأت الساحة؟ هل حضر زيد وغاب عمرو؟ هل سأل أحد عنهم؟ هل حضورهم ضروري أم أن هناك من سوف يستقطب الأنظار وتسلط عليه الأضواء..إلخ.

وبين النفرة الخفيفة والنفرة الثقيلة ترتسم صورة النجاح أو تكرس أسباب الفشل داخل الصف.. وتتمدد مساحات الملء والإفراغ، ويتشكل رأي عام تنقدح في ذهنه – كلما ذكرت هذه الجماعة أو تلك الحركة- أنها جادة وأن رجالها عازمون على إفتكاك انتصاراتهم بقوة فكرتهم ودقة تنظيمهم وطاعة قيادتهم..وقدرتهم على التجنيد والتعبئة..وليسوا من الذين ينتظرون "نضج" المشاريع لينزل أحدهم في المناسبات ليقوم بنشاط استعراضي.. فيقطع الدبلة وتصفق له الجماهير لأنه "دشن" الإنجاز الفلاني؟؟

هذا هو الدرس الأول المستخلص من شطر هذه القصة المؤثرة تربويا، أما الدرس الثاني فعنوانه "التسويف"، أي الاشتغال بالأماني والأحلام، وما أكثر ما ضاعت كنوز الدعوة وضاعت حقوق الناس.. لأن أصحابها ركبوا مطايا التسويف وقالوا : "سوف" يكون ذلك قريبا..وسوف أشرع في العمل لاحقا..وسوف أتواصل معك حال الفراغ مما بين يدي..إلخ، وكلها خيول إبليس.. وبئس الراكب المسوَّف، وبئس المركوب سوف وأخواتها.

لقد كانت نية كعب صادقة، فقد كان عنده مركوبان، ولكنه ركب خيول التسويف.. ربما أراد أن يخرج إلى أرض المعركة بتجهيزات إضافية بما يجعله ربما في خدمة بعض المحتاجين، وربما كان في نيته أن يشتري ما يحتاج إليه المقاتل من زاد يتبرع بفائضه على من لا زاد له، لذلك نزل إلى السوق في يومين متتاليين، ونسيّ أن الذي يريد الخروج يعدُّ له عدته، وأنه إذا نادي المنادي بالنفير لا يليق بالنافرين خفافا أن يفكروا في التسوق، وإلاّ لوجب – في أسوإ الاحتمالات- أن يلزموا أنفسهم بحرفية آداب الاستئذان، والتي منها على وجه الخصوص:
- الإتصال الفوري بالقيادة لشرح الوضع لها بصدق وإخلاص،
- الاستئذان منها للتخلف لبعض الشأن مع ضرورة تحديد مدة التأخر
- إطلاع القيادة على النية الحقيقية وراء نية التأخر لعل عندها رأيا آخر
- الالتزام "بقرار" القيادة والنزول عند تقديرها المرجح لضرورة التخلف أو لأهمية الرحيل مع القافلة دون تلكؤ، فالقيادة أعلم بجنودها وبمصلحتهم..

أما إذا وضع كل "جندي" نفسه، باجتهاده الخاص، في موضع تقدير المصلحة والحرص على مصلحة الجماعة واعتقد أنه الأدرى بما يصلح حالها وما تحتاجه القيادة كونها –في نظره- غافلة عن الجزئيات لانشغالها بالكليات، أو لأن هذا الجندي يحب أن يفاجئ قيادته بشيء لم تتوقعه فينزل إلى السوق –في لحظات الحشد والتجميع والنفرة- ليشتري عسلا وتمرًا ومنًّا وسلوى..وقد تكون نيته صادقة في أن يفاجئ القيادة بهذا الكرم ويدخل السرور على حواشي الصف الأول في لحظات العسرة..وينسى هذا الجندي المخلص ثلاث مهمات حساسة :
أولها، أن المفاجآت في لحظة الزحف ليست دائما سارة
وثانيها، أن بركات الاستئذان، والالتزام بقرار القيادة، أهم من فضل الهدايا والإكراميات
وثالثها، أن أولوية وجودك معنا داخل الصف تسبق كل نوافل وجود خيرك معنا أو إلتحاق خيرك بنا.. بعد فوات الأوان.

الخاتمة :

هل أخطأ سيدنا كعب التقدير عندما سمع النفير فحدث نفسه بالانطلاق إلى السوق لإبتياع ما يستكمل به تجهيز نفسه للمواجهة؟ وهل يمكن أن نرد مثل هذا الاجتهاد الصادق إلى حالة القوة التي بلغت ثلاثين ألفا (مقابل 314 مقاتلا في غزوة بدر مثلا) فبوجود هذا العدد الضخم من الناس لا حاجة لرجل واحد أو رجلين..، وهل يمكن أن نقول : ماذا سوف ينقص رجل واحد إذا غاب وماذا سيضيف إذا حضر طالما تعداد الجيش كبير جدا؟ وهل أثرت حالة الطقس الحار في معنوياته فبدأ يلتمس الأعذار أم أن طيب الثمار قد أغراه بالتخلف وجعل التسوق سببا لذلك؟

إن جوابه هو عن سؤال الرسول (ص) يزيح كل هذه الفرضيات جانبا : "والله ما كنت قط أقوى ولا أيسر مني حين تخلفت عنك"، إذن هناك شيء آخر زين له هذا الاجتهاد الذي دفع ثمنه غاليا، وهو غفلته عن المكانة التي يشغلها في السلّم التنظيمي وفي الترتيب التربوي الذي وضعه فيه رسول الله (ص) والذي يفرض عليه ألاّ يتخلف –مهما كانت الأعذار- حتى لو تخلف ثلث الجيش، كما حصل يوم أحد على قاعدة : "إن تصرفات القدوة تشريع للعامة" ومعناه : أيضا أن رجال الصف الأول ليسوا كغيرهم من الناس، فتخلف أحدهم عن نصرة الجماعة لا تفسير له إلاّ الرغبة في التمرد بنية إسقاط شروط العهد، أما إذا سقط القائد تربويا –لا سمح الله- فقد سقطت واحدة من العرصات التي يقوم عليها بناء الجماعة، لذلك لم تتسامح القيادة مع الثلاثة الذين خُلّفوا وتقصدت تلقينهم دروسًا تربوية قاسية وتوجهت لهم تحديدا وبالأسماء.. مع أن الذين شاركوهم في هذا الصنيع تجاوز عددهم الثمانين رجلا.

يتبع..

------------------------------------
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
حمساوي
عضو جديد
عضو جديد


ذكر
عدد الرسائل : 14
العمر : 27
العمل/الترفيه : حمساوي وما يهاب الموت
تاريخ التسجيل : 29/11/2008

مُساهمةموضوع: رد: ضريبة الانتساب للصف الأول (01 من 04) .... بقلم رئيس الحركة   الثلاثاء فبراير 16, 2010 11:35 pm

بارك الله فيك
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
 
ضريبة الانتساب للصف الأول (01 من 04) .... بقلم رئيس الحركة
استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
منتديات حركة مجتمع السلم لرجام - تيسمسيلت  :: المنتدى السياسي :: قسم الأقلام السياسية-
انتقل الى: